X إغلاق
X إغلاق



الحاج محمود عمر زيداني وداعا


2016-03-20 18:04:18

الحاج محمود عمر  زيداني وداعا

بقلم :احمد ريان

حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة 20/12/2015 كان آخر رمق من حياة أبو مروان وفي هذه الساعة بدا عقده التسعين من عمره . ولد سنة 1926 في قرية الدامون المهجرة التي احبها وعشقها حتى النخاع وكيف لا! وهي قرية الآباء والأجداد قرية الصبا والصب والجمال والطفولة البريئة والأحلام وعاش فيها أجمل أيام العمر وفي احد اللقاءات معه قال : " اذكر الدامون دائما واحن إليها وأجوبها يوميا بأفكاري فكل يوم فيها له ذكرياته الغالية , بيتنا وحاكورتنا التي زينتها أوراق الدوالي وشجر الزنزلخت التي نصبت عليها أرجوحة طفولتي".

كان المرحوم يزور الدامون بشكل دائم وفي نفسه حسرة وألم وفي إحدى زيارته قال لنا: "هذه الأحجار التي تحولت الى ركام كانت بيوتا عامرة يعيش فيها اناس طيبون بسطاء حياة جميلة وطبيعية مبنية على الاحترام المتبادل , مسلمون ومسيحيون يتحملون المسؤولية في الأفراح والأتراح  بحيث لا تعرف لمن هذه المناسبة الدينية ". وأضاف  أبو مروان : " كلنا دين واحد وشعب واحد هو دين الإنسانية الحقيقي , همومنا وآلامنا واحدة ".

رحّل أبو مروان قسرا من قريته مع أهاليها إلى مختلف القرى المجاورة وكان شعاره البقاء والصمود في هذا الوطن ولن نتركه , موجها كلامه إلى أهالي البلدة قبل أن يهاجروا إلى لبنان وسوريا والأردن عند "الأشقاء والإخوة  العرب" إلى مخيمات القهر والفقر .

انه إنسان يحفظ الجميل ومعه كل ضمير حي ولا ينساه ولا ينكره ابدا وبهذا الصدد قال " لن ننسى فضل أهالي القرى المجاورة الذين استقبلونا وتقاسموا معنا بيوتهم وطعامهم وشربة مائهم " وفي كل مناسبة كان يشكر أهالي طمره الطيبين الكرام والكرماء على عملهم الإنساني ويقول :"عشنا  سوية بمحبة واحترام متبادل بالرغم من مرارة وألم وتهجير " وقد وصف المساعدة ووقوف الناس مع بعضها البعض بقيمتها حسب الزمان والمكان .

رأى أبو مروان بنظرة ثاقبة وسديدة بان إطاره السياسي هو بانضمامه إلى الحزب الشيوعي هذا الحزب الاممي  الثوري بسياسته المسؤولة فكان  من أوائل مؤسسي هذا الحزب في طمره في سنوات الخمسينات من القرن الماضي, وهذه خطوة ليست سهلة بل بطولية في ذلك الوقت حتى تحول بيته الصغير إلى ناد لاجتماعات الحزب,والشبيبة وبناء الكادحين لفترة زمنية ليست قصيرة رغم الظروف الحياتية الصعبة .

كان نشاط المرحوم بارزا في تاريخ الصحف ومنشورات الحزب ونشر سياسته للناس وتكريسه وقتا كبيرا لهذه الامور , وقف في صدارة المناضلين من اجل حقوق شعبنا اليومية والقومية والسلام العادل وضد الحكم العسكري البغيض ونظام التصاريح من اجل حرية التنقل في وطن الآباء والأجداد . ومن مواقفه التي لا تنسى حينما  قاد نضال العمال ضد شركة "أيغد" للمواصلات العامة  وكان ذلك في أواخر  الخمسينات واوائل  الستينات ورمى بنفسه أمام عجلات الباصات ومنعها من السير والتحرك , وقد أثمرت هذه الخطوة إلى زيادة عدد الباصات لنقل العمال إلى منطقة حيفا وخليجها وكان لهذه الخطوة صدى تسجل بأحرف من نار ونور . عمل أبو مروان بكد وجهد وهو المعيل الوحيد لعائلته كثيرة الأولاد ليعيش  حياة حره كريمة وصمد في وجه عواصف الحياة وقسوتها ناظرا إلى المستقبل لبناء حياته كما يجب .

استقر المرحوم في طمره التي أحب أهلها وأهلها أحبوه ولكن حنينه وحبه للدامون ازداد وتعمق في نفسه , وآخر مرة زار قريته كان في صيف 2014 قبل مرضه وجلس على الكرسي مع سيجارته ذات التبغ العربي وبدا بالتدخين نافثا دخانها بزفرات وتنهيدات قوية , وقد ظهرت عليه علامات الحسرة والألم والغصة والصمت الثقيل ولم يستطع نطق أي كلمة بل رأينا كلماته من خلال دموع عينيه وهو يسمع نشيد "موطني" ويلتفت إلى كل الجهات (هذا شريط مصور مسجل وصور ناطق اطلق عليه ذاكرة وطن مع سيجارة محمود زيداني/ مجدنا). امن بقوة بحق العودة الذي لا عودة ولا تنازل عنه مهما حدث وهذا الحق لا يمكن أن يموت مهما طال الزمن , فهو يتعمق ويقوى يوما بعد يوم كما قال ثم أضاف قائلا " علينا أن نعرف أطفالنا على تاريخ هذه البلاد التي كانت عامرة بأناس طيبين منهن من يقف على مرمى حجر من قريتهم ومسقط رأسهم" ومن أهم كلماته : " خير للإنسان أن يموت بلا أمل على أن يعيش باليأس".

رفع راية العودة دائما وقبل مماته سلمها إلى الجيل الجديد إلى أن يتجسد هذا الحق شاء من شاء وابى من ابى .

زاره الكثيرون ليسجلوا المعلومات الدقيقة عن الدامون وغيرها خاصة  في العقدين الأخيرين فكان مرجعا هاما وكنزا من المعلومات نظرا لثقافته الواسعة .

كان المرحوم دمث الأخلاق سريع المخاطرة يجيب ويرد بسرعة عجيبة بذكاء وحكمة مرحا جدا وذا فاكهة طيب النفس مزاحا مضحكا وضحوكا مما اكسبه محبة واحترام الصغير والكبير , فقد ترك بصماته على كل من عرفه من طمره وخارجها.

نم هادئا قرير العين يا أبا مروان فانت باق معنا وفينا لم ولن ننساك ابدا , لن ننسى الدامون التي أحببتها وعشقتها فهي كالطعام والشراب والهواء لنا كما كانت لك , رحمك الله وأسكنك فسيح جناته .

 


لارسال اخباركم وصوركم: aleomnet100@gmail.com
التعليقات




الثلاثاء
19 يونيو 2018
25°
طمرة

25°
الناصرة
25°
حيفا
23°
القدس
°
يافا

دينار اردني
4.9658
ليرة لبناني 10
0.0233
جنيه مصري
0.1993
دولار امريكي
3.523
اليورو
4.3503
اخر تحديث
2018-06-19

هل انت مع او ضد اقامة مركز للشرطة في بلدك؟