X إغلاق
X إغلاق



كيف أصبحت حلب مركزاً للصراعات الإقليمية ونقطةً للمواجهة بين الدول الكبرى ؟


2017-01-17 10:59:26

كيف أصبحت حلب مركزاً للصراعات الإقليمية ونقطة للمواجهة بين الدول الكبرى ؟

شهد العرب والعالم على مدى أسابيع وشهور حملة مركّزة على مدينة حلب، وجرى اعتبارها النقطة التي يُحسم عندها الصراع في سوريا. فمن يريدون للنظام ولحلفائه الروس والإيرانيين أن ينتصروا يشيرون إلى وجود إرهابيين في حلب ويحاججون بأن استعادتها كفيلة بإفشال مخططات الطرف "المتآمر" على سوريا والرامي إلى تقسيمها. ويوصف هذا الطرف بأنه أميركي - غربي - إسرائيلي يدعمه بعض العرب، وباستثناء إسرائيل التي تراكم المكاسب من المحنة السورية وتدّعي عدم التدخل فيها مؤجّلة الإفصاح عن أهدافها إلى لحظة المساومات الدولية المرتقبة، فإن الأميركيين والأوروبيين والعرب أعربوا بأشكال وفي مناسبات متعددة عن تفضيلهم لأن تبقى سوريا موحّدة بل اتهموا النظام وخصوصاً حلفاءه الإيرانيين بأنهم هم مَن يعملون لتقسيمها. وتلفت هذه الأطراف إلى ما يُسمّى مشروع "سوريا المفيدة" الذي تغطّي خريطته المناطق التي يسيطر عليها النظام حالياً ويريد ضم حلب إليها، وتنبّه أيضاً إلى النشاط الإيراني المحموم في عملية التغيير الديموغرافي لإنهاء الوجود السنّي في كثير من المناطق.
وتكمن أهمية حلب في أنها المدينة الكبرى الثانية بعد دمشق، كانت العاصمة الاقتصادية لسوريا، وشكّل انقلابها على النظام عنصراً بدا حاسماً لمصلحة الانتفاضة الشعبية، ثم إن تركيبتها السكانية المتنوّعة دينياً وعرقياً جعلت منها نموذجاً مصغّراً لسوريا نفسها، أما موقعها الجغرافي فهو مصدر خطر على النظام وعلى منطقة الساحل التي تُعتبر معقله. لكن هذا الموقع يشكّل أيضاً تقاطع طرق بين سوريا وتركيا والعراق، إذ أن المناطق الجنوبية التركية والشمالية الغربية العراقية والشمالية الشرقية السورية كانت متصلة ومتداخلة خلال العهد العثماني. وقد كانت هذه هي المناطق التي حدد اتفاق سايكس - بيكو مصيرها عام 1916 ووزّعها بين الدول الثلاث تاركاً المسألة الكردية تعتمل وتتفاعل لتعود بعد مئة عام فتقدّم للقوى الدولية والإقليمية عناصر تخدم مشاريعها لانتزاع النفوذ. والواقع أن حل المسألة الكردية يفترض حكماً تغيير خرائط الدول الثلاث، ويطرح بالتالي احتمالات التقسيم أو ما بات يسمّى "تصحيح سايكس – بيكو."
الصراع على حلب ليس بعيداً عن مشاريع إعادة رسم الخرائط، ولذلك بدت محط أنظار وأدوار الأطراف الدولية والإقليمية، سواء تلك التي تعمل مباشرة على الأرض أو تلك التي تخوض الصراع بالوكالة. ومنذ التدخل الروسي، خريف 2015، خسرت المعارضة السورية إمكان تغيير مجرى الأحداث وأصبح هدفها الاستراتيجي الصمود في مواقعها للتفاوض على حل سياسي متوازن، وبما أن حلب هي أهم مواقعها المهدّدة والمحاصرة فقد غدت عنواناً لمسارين: إما أن تكون الجبهة التي تنجح فيها التفاهمات الأميركية - الروسية في تثبيت وقف لإطلاق النار تمهيداً للذهاب إلى مفاوضات على الحل السياسي، وإما أن تكون بؤرة مواجهة رئيسية يكسب فيها النظام انتصاراً رمزياً مهماً ويحرز فيها الإيرانيون مواقع أخرى لنشر نفوذهم ويحقّق فيها الروس إنجازاً كاملاً هو الأول منذ تدخّلهم ويتمثّل بالسيطرة على مدينة كبيرة.
ورغم أن المسار الأول كان موضع توافقٍ بين أعضاء "المجموعة الدولية لدعم سوريا" وتحوّل إلى قرار دولي رقمه 2254 وصادق عليه مجلس الأمن، إلا أن تنفيذه خضع بكل تفاصيله لتفاهمات أميركية - روسية، وهذه خضعت بدورها لاعتبارات الدولتين. فروسيا مثلاً معنية بتحالفها مع النظامين السوري والإيراني، أما الولايات المتحدة فكانت أكثر اهتماماً بـ "إدارة" الدور الروسي في سوريا مما هي معنية بالمعارضة أو بالدول المتعاطفة معها. ومن جهة أخرى كانت الدولتان متعارضتين بشأن طبيعة الحل السياسي وصيغته، فالتصور الروسي لـ "الانتقال السياسي" هو أن يتم ضمن النظام وتحت سقفه، أما التصوّر الأميركي فتدرّج على مراحل من ضرورة رحيل رئيس النظام إلى القبول ببقائه لفترة محددة. غير أن موسكو كانت تفاوض على الحل السياسي مدركةً أن دمشق وطهران تفضّلان الحل العسكري بل تحضّان عليه، وإذ كانت تبدي استعداداً لتنازلات فإنها تطلّعت دائماً إلى أن تتضمن أي صفقة مع واشنطن تنازلات مقابلة بشأن أوكرانيا. وهو ما لم يحدث أبداً، لذلك تشدّد الروس في شروطهم للتخلي عن معركة حلب فطلبوا تعاوناً أميركياً للفصل بين المعارضة المصنّفة "معتدلة" وبين الفصائل المصنّفة "إرهابية"، وقد أثار ذلك جدلاً واسعاً وبدا متعذّراً ميدانياً.
ومع اقتراب ولاية إدارة باراك أوباما من نهايتها، حاول الروس ونجحوا في انتزاع اتفاق بين الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف على تعاون عسكري واستخباري بين الدولتين بهدف محاربة الإرهاب، غير أن الجانب الأميركي لم يحسم قراره بشأن هذا التعاون الذي قوبل برفض صريح من البنتاغون والـ "سي أي إيه". لذلك اعتبرت روسيا أنه لم يعد هناك مفر من معركة حلب حتى لو كانت مرجّحة للحل العسكري رغم إصرارها سابقاً على أن الحل في سوريا لا بدّ أن يكون سياسياً.
كان فشل اتفاق كيري - لافروف والبدء بقصف حلب، فضلاً عن غارات استهدفت قافلة للمساعدات الإنسانية وأخرى ضربت مواقع لقوات النظام السوري، وتّرت الأجواء الدولية وتسببت بمواجهات ساخنة في مجلس الأمن. وكان واضحاً أن إدارة الأزمة السورية رحّلت إلى ما بعد الانتخابات الأميركية والإدارة الجديدة التي ستخرج منها، ورغم أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب ينتمي إلى الحزب الجمهوري المعروف بتشدّده حيال روسيا، إلا أنه افتتح نشاطه الدولي بتقارب أولي مع الرئيس الروسي، بل إن اتصالاتهما عشية بدء الهجوم على حلب أوحى بتوافق بينهما على إنهاء العملية قبل تسلمه منصبه في العشرين من يناير 2017. وهكذا دخلت مناطق المعارضة في شرقي حلب إلى النفق الأخير. وبطبيعة الحال فإن معركة حلب لا تشكل نقطة النهاية للصراع السوري بل نهاية مرحلة مهمة من شأنها أن تفتح بين روسيا والولايات المتحدة بإدارتها الجديدة مساومات واسعة تتعلق بسوريا وبمجمل الشرق الأوسط.


لارسال اخباركم وصوركم: aleomnet100@gmail.com
التعليقات




الثلاثاء
19 يونيو 2018
25°
طمرة

25°
الناصرة
25°
حيفا
23°
القدس
°
يافا

دينار اردني
4.9658
ليرة لبناني 10
0.0233
جنيه مصري
0.1993
دولار امريكي
3.523
اليورو
4.3503
اخر تحديث
2018-06-19

هل انت مع او ضد اقامة مركز للشرطة في بلدك؟